اخبار عمان - رحاب : صوم الخواطر

جريدة الوطن العمانية 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

أحمد المعشني

وقع في يدي نص بعنوان “الصوم ثورة التحرر” كتبه مفكر سوداني اسمه عمر القراي، يعمل أستاذا للإنثربولوجي وعلم الاجتماع في جامعة ظفار. يعرض في مقاله أنواعا من الصيام التي ترتقي بالصائمين وتخلصهم من الطاقات السلبية وتتيح لهم ملامسة أعماقهم وإطلاق العنان لطاقاتهم الروحية. يستهل الكاتب مقاله بمقدمة بسيطة عن الصوم كعبادة مفروضة منذ القدم في كثير من أديان التوحيد، وتميزت هذه العبادة في الإسلام التوقف عن الشهوات الحسية من وقت الإمساك الذي يسبق الفجر بقليل حتى لحظة الغروب، ثم يتناول الكاتب عبادة الصمت التي ينبغي أن ترافق صيام الجوارح، و تمنح الفرصة للصائم؛ لكي يدرب نفسه على مراقبة عقله ولسانه، وتجعل جسده يلتقي بعقله فتحرر طاقاته الروحية، و يبدأ الصمت بتقييد لسان الصائم عن قول السوء، وغربلة أفكاره وخواطره ومشاعره من كل شيء سلبي. ويصنف الصوم إلى مراتب أدناها صوم العوام وأعلاها صوم الخواطر الذي يراقب فيه الصائم عقله عن التفكير في أي شيء يسخط الله. وهذه المرتبة لا ينالها إلا الذين صدقوا مع الله وأخلصوا له النية والتوجه والعمل. ثم يشرع الكاتب في ذكر محاسن الصمت وصوم الخواطر كطريقة تأمل روحي تعزز مستوى الوعي الذاتي الروحي والوعي الكوني لدى الصائم، ويستدل بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من لم يقل خيرا فليصمت). فالإمساك عن الطعام وبقية الشهوات الحسية خلال النهار والتوقف عن فضول الكلام وإفراغ العقل من فضلات الأفكار والخواطر، يصعد بالمؤمن إلى الصوم المجود الذي يتناول فيه الصائم وجبة طعام واحدة فقط ويستثمر بقية ليله ونهاره في العبادة والتأمل والذكر، ويقلل من ساعات النوم، ويعرض عن السهر وإضاعة الوقت ويقرأ القرآن بوعي نوراني يجعل الصائم يشعر بسريان النور الذي يربطه بخالقه عز وجل، ويجعل أيام الشهر ولياليه معارج روحية نورانية تقرب المخلوق من خالقه وتصعد به إلى منازل عليا من الصفاء، وفي هذا السياق النوراني يستخلص الكاتب مقاربة جميلة ومشوقة يستنتجها من التأمل والتفكر في قول الله تعالى” سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد”. ثم يشبّه الشمس بالقلب حيث مركز الروح، فالقمر إشارة إلى العقل، والجسد إشارة إلى الأرض. ثم يدخل في وعي الصلاة وحركاتها قائلا ” ونحن حين نمارس حركات صلواتنا كأنما نقلب عقولنا في أجسادنا لتقابل ضياء أرواحنا من داخل قلوبنا، كما يتقلب القمر في أوضاعه المختلفة؛ حتى يصبح بدرا تاما، ثم يقوم هو بإنارة الجسد كما ينير القمر الأرض”. ويستطرد الكاتب في كلامه الجميل عن عبادة الصوم فيعتبره محررا للإنسان من عبودية الشهوات والمادة؛ حتى يصبح جديرا بعبودية الله وحده، وتتحقق حرية الصائم بمستويين حرية الفرد في الجماعة وحرية الفرد في داخل نفسه التي تقوده إلى خلاص عقله وقلبه من الخوف. وهذا الخلاص يعالج جميع أنواع الخوف الذي يعتبر نوعا من أنواع الشرك ومصدرا لكل اضطرابات الشخصية البشرية.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية


اقرأ الخبر من المصدر

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع عاجل اليمن على الشبكات الاجتماعية

أخبار ذات صلة

0 تعليق