اخبار عمان - رحاب: صوت الفطرة

جريدة الوطن العمانية 0 تعليق0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

جاء إلى عمله مبكرا قبل جميع الموظفين، باشر مهامه اليومية، تفقد الصادر والوارد وكتب تعليقه على جميع المذكرات والتقارير الواردة إلى مؤسسته. بعد ذلك شرع ينفذ خطته اليومية التي أعدها بالأمس كدأبه يوميا.
انهمك في تفاصيل عمله حتى إذا انتهى الدوام طاف على مدارس أبنائه عائد معهم إلى المنزل، نال قسطه من الراحة اليومية، ثم صلى صلاة العصر، وعقب ذلك بدأ يقرأ ويتدبر ورده القرآني اليومي، حتى إذا ختم حزبه، اختلى بنفسه، لكن خلوته اليوم تختلف عما سبق، جلس في غرفة المجلس محاطا بكتبه، مسندا ظهره على كنبته المفضلة، مستغنيا عن تكييف الهواء، سحب الأصوات من المكتبة والكراسي والمقتنيات والتحف ومن المصابيح والمراوح، وختم طقوس الصمت بإغلاق الأبواب، ثم أفرغ أعماقه من الطنين، وجعل ينادي الصمت.
صارت الأشياء من حوله تهديه الصمت، ترتشف أعماقه رحيق السكينة، يمكنه أن يصغي بسهولة إلى الصمت، وهل للصمت صوت؟ لأول مرة صار يصغي إلى الصمت. لأول مرة استطاع أن يصغي إلى اللاصوت، اللا ضجيج.
أوغل في تأمله بهدوء ونعومة، وانسل يخرج من وعاء الإدراك والذاكرة، كمن يخرج من ضجيج صارخ، انسل خارج المألوف، استجمع شتات الطفل المتناثر في تاريخ الرجل، واستدعى الطفل الصغير في أعماقه، وصار يستمع بأذني الطفل ويرى بعيني الطفل، ويتفقد لطف الله ورحمته وحكمته وعلمه ونوره في الأشياء بدون مسميات وبدون حواجز وبدون سلطة الحواس وبدون مصطلحات.. هكذا فقط بإدراكه الفطري.
يرى الحقيقة ويسمعها ويشعرها، لكنه لم يستطع أن يعطي لها مسميات خوفا من أن تنفلت منه وتهرب من قسوة المنطق والقياس والمصطلحات.
يصغى بكل هدوء وبكل صمت، كطفل يراقب عصفورا جميلا يقف على تلال يده ويخشى أن يحرك ساكنا فيطير العصفور.
يرافق روحه وهي تطوي ما كان وما سيكون وما هو كائن في إدراك روحي بحجم الذرة.
هنالك يشعر بالأمان، يذوق الطمأنينة، يشاهد الحواجز بين المرئي وبين اللامرئي تختفي، يدرك بأن جدران بيته وهم وأن الأمس وهم واليوم.
هنالك دعا ربه أن يصبغ عليه الصحة والرخاء وأن يلهمه ذكره والتلذذ بتسبيحه وتعظيمه، وشعر بأن الوعي القاصر سراب كبير في ساحة الحقيقة المطلقة التي يعيشها الآن.
صار متصلا بمصادر الرخاء، بالمعرفة، بالحكمة، بالمطلق الذي ينبجس الآن من براعم إدراك ذوقي فريد.
يرى ما لا يمكن تصويره بعدسة العقل، ويسمع ما لا يمكن أن يجد له مرادفا في معجم الذاكرة، ويشعر بأنه وهب ذوقا جديدا متحررا من كل ما ذاق ومن كل قرأ أو سمع.
عالم آخر، وكون آخر وزمن آخر في أقل من نصف ساعة يدخل إليه بدون أن يغادر غرفة مجلس منزله المتواضع.
وبينما هو في تأمله الحالم فوجئ بطرق خفيف على الباب يرافقه صوت ابنته الصغيرة: بابا.. تعال افطر !
كان صوت المؤذن يعيد الصائمين إلى حياة الدنيا، وأدرك لأول مرة أن المسافة بين مجرات الوجود قصيرة جدا وأن في أعماق كل إنسان مسبارا داخليا يفضي بكل مقبل على الله سبحانه وتعالى إلى الذوق والحكمة ( يوتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذّكّر إلا أولوا الألباب).

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية


اقرأ الخبر من المصدر

للمزيد من التفاصيل والاخبار تابع عاجل اليمن على الشبكات الاجتماعية

أخبارذات صلة

0 تعليق