اخبار اليمن / صدى عدن / صدى عدن

اخبار اليمن اليوم - فيدل كاسترو... الذي أعرفه

( صدى عدن ) خاص :

غابرييل غارسيا ماركيز 

مولع بالكلمات ماكر في الإغواء، باحث عن الصعب أينما كان. اتساع ذائقته تجدها في الكتب التي ينتقيها. تخلّى عن السيجار الكوبي بإضفاء شرعة أخلاقية لحملة مكافحة التدخين.

يحب إعداد الصيغ بإضفاء وهج علمي عليها. يحافظ على رشاقته عبر ساعات من التمارين اليومية، والسباحة المستمرة. صبور كؤود. انضباطي صارم. يجتاز المجهول مدفوعاً بقوة خياله. أهمية العمل عنده تضاهي أهمية الراحة.

الحديث يرهقه، والحديث يريحه. يعشق الكتابة ويتقنها، إحساسه بالخطر هو باعثة الأعظم في الحياة. ومنبر الخطابة هو أفضل أماكنه.

عندما يبدأ خطابه، يصعب دائماً سماع صوته، واستمراره غير مؤكد، ولكنه سرعان ما يبدأ في تثبيت مواقعه، حتى يصل إلى لحظة الاستحواذ الكلي على الجمهور.

هو الموهوب، الذي لا يقاوم، في سموه، الذي لا يفهمه أولئك الذين يفتقرون إلى الشعور بالمجد.

هو الجوهر المضاد للدوغمائية. هو أفضل من يدمج أفكار البطل الوطني الكوبي (خوسيه مارته)، كاتبه المفضل، بالأفكار الثورية للماركسية. يكمن جوهر أفكاره في إيمانه بأن العمل مع الجماهير يعني، في المقام الأول، الاهتمام بالمواطنين، وهذا يفسر ثقته المطلقة بأهمية الاتصال المباشر بمواطنيه.

يملك لغة خاصة لكل مناسبة، ونهجاً مختلفاً للإقناع، وفقاً لطبيعة مستمعيه. يجيد الوصول إلى نفسه مستوى الآخر، متسلحاً بالكم الهائل من المعلومات المتشعبة والمتنوعة.

الشيء المؤكد هو: أينما كان، وكيفما كان، ومع من كان، فإن فيدل كاسترو وجد لينتصر.

يتعامل مع الهزيمة، حتى في أتفه الأمور اليومية، وفقاً لمنطقه الخاص: لا يعترف بالهزيمة، ولا يهنأ له بال، لحظة واحدة، حتى يمكن من قلب الأوضاع، ويحوّل الهزيمة إلى انتصار. لن تجد شخصاً مثله ممسوساً بتفاصيل الأشياء، فهو يتدخل في تفاصيل أي مشروع، صغيراً كان أم ضخماً، بعنفوان حماسته ذاتها، بخاصة في لحظات المحن، وهذه هي أفضل الأوقات لديه. أما أولئك الذين يظنون أنهم يفهمونه سيقولون له: «لا بد أن الأشياء تسير بشكل خاطئ، لأنك تبدو مبتهجاً».

التكرار هو أحد أساليب عمله. على سبيل المثل: أصبحت مسألة الديون الخارجية لدول أميركا اللاتينية محور حديثه خلال العامين الماضيين، وقد تطور الموضوع وتشعب منذ ذلك الحين. استنتاجه المحاسبي الأول كان: من المحال سداد الديون، ثم بدأ بالبحث في نتائج هذه الديون: آثارها على الاقتصادات الوطنية، وآثارها الاجتماعية والسياسية، تأثيراتها الحاسمة في العلاقات الدولية، أهميته للسياسة الموحدة في أميركا اللاتينية، وصولاً إلى الرؤية الشاملة التي عرضها في اجتماع دولي عقد لدراسة هذا الموضوع، والتي ستثبت الأيام صحة رؤيته.

تكمن فضيلته النادرة، كرجل سياسي، في قدرته على إدراك كيف تتطور الأحداث وصولاً إلى أبعد النتائج، ولكن هذه القدرة لا تستند إلى ومضات الإلهام عنده، بل هي نتاج تفكير صعب وعنيد.

ذاكرته خير معين له في خطبه، أو في أحاديثه الشخصية، ويعوّل عليها كثيراً في بياناته، وحساباته الرياضية المذهلة.

هـــو يحــتاج إلى من يساعده، ويغذيه بالمعلومات على نحو متواصل ومهمة جمع المعلومات تبدأ مع نهوضه من النوم. ففي كل صباح، يبدأ إفطاره بقراءة ما لا يقل عن مئتي صفحة من الأخبار حول العالم. وفي كل يوم، أينما كان، ترسل إليه التقارير العاجل. ووفقاً لتقديره الشخصي فإنه يقرأ يومياً حوالى خمسين تقريراً، هذا من دون التقارير التي تصدرها الأجهزة الرسمية، وتلك التي تصل إليه من زائريه، أو التي تثير فضوله اللانهائي.

كل جواب عنده يجب أن يكون دقيقاً، بخاصة أنه يستطيع أن يحدد أدق المسائل في عبارات عادية.

الكتب هي مصدر آخر من المعلومات الحيوية. هو قارئ نهم، ولا أحد يفهم كيف يجد الوقت الكافي، أو الطريقة التي يستطيع بها قراءة هذا الكم وبهذه السرعة. وهو يصرّ على أنه لا يستخدم أي أسلوب معين في القراءة. عادة ما يأخذ معه كتاباً في الساعات الأولى من الصباح، ويدون ملاحظاته على الكتاب في صباح اليوم التالي.

يجيد القراءة بالإنكليزية ولكنه لا يتحدث بها، ويفضّل القراءة بالإسبانية. وعنده استعداد، في كل الأوقات، لقراءة أية ورقة مكتوبة تقع بين يديه.

هو قارئ دائم للموضوعات الاقتصادية والتاريخية، ويقدّر الأدب ويتابع عن كثب القضايا الأدبية. عنده عادة رشق الأسئلة على نحو متعاقب، ولا يتوقف عن طرح الأسئلة حتى يعرف أدق التفاصيل. فإذا صادف أن زائراً من أميركا اللاتينية أعطاه معلومة عن استهلاك الرز في بلاده، فإنه يبدأ في إجراء عملية حسابية سريعة في ذهنه ويقول: «هذا غريب، كل شخص يستهلك 10 كيلوغرامات من الرز يومياً».

تكتيكه الأهم هو في طرح أسئلة حول موضوعات يعرف أجابتها مسبقاً، كي يتأكد من صدقية معلوماته، وفي بعض الأحيان، ليقدر مستوى محاوره، ويعامله وفقاً لذلك، وهو لا يغفل أية فرصة للحصول على المعلومات. حضر أثناء الحرب في أنغولا حفلة استقبال رسمية، وبدأ في الحديث عن إحدى المعارك واصفاً إياها بشكل دقيق، مما أثار شك أحد الديبلوماسيين الأوروبيين في أن فيدل كاسترو كان مشاركاً في هذه المعركة. وصفه لاعتقال تشي غيفارا واغتياله، وصفه للهجوم على القصر الجمهوري واغتيال سلفادور الليندي، أو وصفه لإعصار (فلورا) المدمر، كلها مثيرة للاهتمام.

رؤيته المستقبلية لأميركا اللاتينية هي الرؤية ذاتها التي كان يحملها البطل الوطني الكوبي (خوسيه مارتيه)، والبطل الوطني الفنزويلي (سيمون بوليفار)، حول بناء مجتمع متكامل، ومستقل، قادر على أحداث تغيير في مصير العالم.

يعرف الولايات المتحدة أكثر من أي بلد آخر، باستثناء كوبا، وبداخله إلمام عميق بطبيعة شعبها، وقوتها، ونوايا حكوماتها. هذا الإلمام الذي استخدمه، بكفاءة، في تجاوز العصف المتواصل للحصار المفروض على كوبا. عندما تجرى معه المقابلات، وعادة ما تستمر لساعات، فإنه يسهب في الحديث عن كل موضوع، ويجدول في أدق الأمور حساسية، من دون أن يهمل الدقة في الحديث، مدركاً بأن إساءة استخدام أية كلمة قد تجلب ضرراً لا يمكن إصلاحه. وهو لا يرفض أبداً الإجابة على أي سؤال، ولا ينفد صبره.

هناك من يحاول إبعاده عن سماع الحقيقة، من أجل تجنّبه الكثير من القلق، ومع ذلك فهو يعرف، فيقول للشخص الذي يحاول ذلك: «أنت تحجب عني الحقائق حتى لا تزعجني، ولكن حيث أكتشفها في النهاية، فإن مواجهتها تسبب لي ألماً حقيقياً».

أكثر المسائل خطورة بالنسبة إليه هي تلك المتصلة بالعجز المالي، لأنه بموازاة الإنجازات المميزة التي تدعم الثورة الكوبية، سواء في السياسة، أو العلم، أو الرياضة، أو الثقافة، هناك عجز تسببه البيروقراطية وتؤثر في الحياة اليومية، على كافة المستويات تقريباً، وبخاصة في ما يتصل برفاه المواطنين.

عندما يتحدث إلى الناس في الشارع فإن حديثه يكون مفعماً بالصراحة التامة والتودُّد الحقيقي. هم ينادونه باسمه الأول (فيدل) ويحيطونه بكل عناية. ويجادلونه، ويطرحون عليه آراء معارضة، ويطالبونه بأشياء كثيرة، كل هذا في بث حي وصادق.

هذا هو فيدل كاسترو الذي أعرفه. الرجل صاحب العادات الصارمة، والأوهام اللانهائية، والأسلوب القديم، والكلمات الحذرة، والحديث الرصين، والأفكار التي لا يمكن إلا أن توصف بأنها أفكار استثنائية.

إنه يحلم بأن العلماء الكوبيين سيتمكّنون في النهاية من وضع حدّ لمرض السرطان، وأنه طوّر سياسة خارجية تناسب القوى العظمى في جزيرة أصغر بـ 84 مرة من حجم العدو اللدود. هو مقتنع بأن تشكيل الوعي الصحيح هو أعظم إنجاز للبشرية، وأن الحوافز الأخلاقية يمكن أن تقهر الأشياء المادية في تغيير العالم وتشكيل التاريخ.

في لحظاته النادرة التي يتوق فيها للحياة، سمعته يعيد النظر في أشياء كان بوسعه إنجازها بشكل مختلف ليكسب وقتاً أكبر من الحياة.

رأيته مثقلاً بعبء مصائر الكثير من الناس، وسألته: «ما هو الشيء الذي تتمنى أن تفعله أكثر من أي شيء آخر». فأجابني على الفور: «الوقوف على ناصية الطريق».

ترجمة: عبدالقادر عقيل  "الحياة"


اقرأ الخبر من المصدر

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا

hao123